‏إظهار الرسائل ذات التسميات يُنِكْس unix. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات يُنِكْس unix. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 21 أغسطس 2013

نشأة البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر (5)

هذا هو الجزء الخامس من سلسلة مقالاتٍ أتحدث فيها عن نشأة البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر، و يمكنكم قراءة الأجزاء السابقة من الروابط التالية:
الجزء الأول:
الجزء الثاني:
الجزء الثالث:
الجزء الرابع:


و أنصحكم بشدةٍ بقراءة الأجزاء السابقة قبل قراءة هذا الجزء؛ حتي تستطيعوا استيعاب الأمور كما يجب، و حتي تعتادوا علي طريقتي في الحكي و الترجمات التي أقدمها للمصطلحات التقنية الإنقليزية :)

الخميس، 18 يوليو 2013

نشأة البرمجيات مفتوحة المصدر (4)

هذا هو الجزء الرابع من سلسلة مقالاتٍ أتحدث فيها عن نشأة البرمجيات الحرة مفتوحة المصدر، و قد تأخرتُ في نشر هذا الجزء لفترةٍ طويلةٍ بسبب ظروفٍ شخصيةٍ و سياسيةٍ خانقة، و لكني عقدتُ العزم علي إنهاء هذه السلسلة من المقالات في أقرب وقتٍ ممكنٍ بمشيئة الله تعالي و ألا أؤخرها أكثر من هذا. 

الثلاثاء، 26 مارس 2013

أنظمة تشغيل قوية، و لكن غير مشهورة

يظن كثيرٌ من مستخدمي الحواسيب أن أنظمة التشغيل القوية للحواسيب الشخصية لا تتعدي الأنظمة الشهيرة المتمثلة في الـwindows و الـmac و الـGNU/linux (يُختصَر إلي linux)، بل و ربما لا يعلم أغلب الناس شيئاً عن نظام الـGNU/linux و/أو نظام الـmac شيئاً !، و في عالم أنظمة تشغيل الأجهزة الذكية (كالهواتف الذكية smart phones و الأجهزة اللوحية tablets) فإن معرفة الأغلبية لا تتعدي نظامَيْ الـandroid (إذا ما اعتبرناه نظاماً قائماً بذاته و ليس مجرد توزيعة من الـlinux) و الـios.

فإذا ما نظرنا لواقع عالم أنظمة التشغيل التي تعمل علي الحواسيب الشخصية أو خوادِم الشبكة internet servers: فسنجد أن هناك العديد و العديد من أنظمة التشغيل بالغة القوة، التي لم تحظ بنفس القدر من الشهرة التي حظيت بها الأنظمة سالفة الذِكر. و ليس معني عدم شهرتها أنها أقل قوةً من الأخريات، و لكن حديثنا عنها هنا لا يعني بالضرورة أنها تماثل الأنظمة الأشهر في القوة أو تتفوق عليهن، إنما كل ما هنالك أنها أنظمةٌ قويةٌ تستحق ذِكرها و التنويه عنها حتي يستزيد من يرغب في الاستزادة في معرفتها. و سأعرض هنا بمشيئة الله عز و جل مجموعةً منها ببساطةٍ و إيجاز؛ لإعطاء القدرة لمن يرغب في التعرف عليهن علي فعل ذلك.

الأحد، 10 مارس 2013

نشأة البرمجيات مفتوحة المصدر (3)

في البداية دعونا نتفق علي شيءٍ شديد الأهمية: لو لم يستطع محبو البرمجيات الحرة اختراق عالم المال و التجارة عن طريق البرمجيات الحرة فما كانوا ليستطيعوا الصمود طويلاً في وجه منافسيهم؛ فالعالم التجاري معناه تدفق الأموال التي ستدعم المشاريع الحرة، و بالتالي يستطيع المُشارِكون فيها أن يتفرغوا تماماً لعملية التطوير، و كذلك تعني القدرة علي عمل الدعاية الكافية لجمع المزيد من أهل الخبرة للاشتراك في بناء برمجياتهم الحرة و تطويرها (سواءً كهوايةٍ أو كعملٍ ينالون عليه أجراً).

هنا نتساءل: هل تنبه ستولمان لهذه النقطة حينما بدأ الدعوة لحركته الجديدة ؟
و الجواب أن ستولمان كان "حويطاً" بالفعل، و تنبه لهذه النقطة و تحدث عنها و عن كيفية الاستفادة من البرمجيات الحرة في المجال التجاري، حيث أنه في خاتمة "بيان قِنُو  GNU manifesto" كان هناك فصلٌ يتحدث عن هذه المسألة بالتحديد، و قد استرعي هذا الأمر انتباه البعض من محبي البرمجيات الحرة و دفعهم إلي أن يُمحِّصوا الأمر جيداً، ثم تركَّز فكرهم علي أمرٍ معينٍ يمكن به الاستفادة من التمدد المتسع لها (و علي رأسها توليفة "قنو/لينوكس")، لذا قام John Gilmore  و Michael Tiemann  و David Henkel-Wallace في عام 1989م ببناء شركةٍ تقوم بأعمال الصيانة و الاستشارة فيما يخص البرمجيات الحرة، لخدمة الشركات التي ترغب في الحصول علي مثل تلك الخدمات (و كان اسم شركتهم الجديدة "cygnus"، و يحتوي علي كلمة gnu داخله لأنهم حرصوا علي هذا عند اختيار الاسم)،

فحيث أن البرمجيات الحرة ليس لها مالكٌ بالمعني المُتعارف عليه في العالم التجاري، و حيث أنه في الشركات التي تستخدم البرمجيات الحرة سيكون تخصيص قِسمٍ للصيانة و المُتابعة لكل البرمجيات غير ممكنٍ عملياً: فقد أدي هذا إلي سهولة وجود منافسةٍ في خدمات الصيانة و الاستشارة، علي العكس من عالم البرمجيات المغلقة المصدر؛ حيث أنه في الحالة الأخيرة لا يمكن الحصول علي دعمٍ فنيٍ قويٍ إلا من الشركة المالكة، و من السخرية أن الشركات المالكة للبرمجيات الشهيرة قد تكون خدمة العملاء و الصيانة بها سيئةً للغاية؛ نظراً لعدم قدرتها علي تلبية احتياجات القاعدة الواسعة جداً من مستخدمي برمجياتها !
المهم أنه بوجود شركة cygnus علي الساحة أصبح من الممكن لكثيرٍ من الشركات أن تعتمد علي البرمجيات الحرة في عملها، مطمئنةً إلي وجود من يمكنه تقديم الدعم الفني لها إذا رغبت في ذلك. و كانت هذه خطوةً هامةً للغاية في تاريخ البرمجيات الحرة.

كانت الدفعة العملاقة الأخري لتوليفة القِنُو/لِينُوكس هي ظهور شبكة الإنترنت للعامة و انتشارها الواسع، و ظهور برنامج "خادم إنترنت أباتشي apache web server" لنظام اليُنِكس و شبيهاته (أعني الأنظمة التي تُوصف بأنها unix-like و من ضمنها القِنُو/لِينُكْس)؛ فنظراً لتفوق خادم الأباتشي علي منافسيه و احتلاله لعرش فئته من البرمجيات: فقد أصبح استخدام توليفة "أباتشي/قِنُو/لِينُكْس" هو الخيار المفضل لمن يرغب في بناء شركة استضافةٍ علي الإنترنت بدلاً من توليفة "IIS/windows"؛ و ذلك بسبب الفرق في القوة و الاستقرار و الأمن بين التوليفتين، بالإضافة إلي فارق السعر بطبيعة الحال. 
 
و ظهرت توليفةٌ جديدةٌ من البرمجيات تُسمَّي LAMP، و هي حزمةٌ لتطوير التطبيقات للشبكة تحتوي علي:
  • توليفة برمجيات قِنُو/ لِينُكْس،
  • خادم أباتشي،
  • قاعدة البيانات MySQL،
  • لغات البرمجة PHP و perl و python،
و هكذا وجدنا أن اللينُكْس ينتشر في سوق خوادم الإنترنت مثل انتشار النار في الهشيم. 
 
بالإضافة إلي ذلك فقد كانت هناك دفعةٌ عملاقةٌ أخري، حيث ظهرت إمكانية الاستغلال التجاري لعملية "صنع توزيعةٍ جيدة البناء سهلة التنصيب" لبرمجيات قِنُو و نواة اللينُكْس، بحيث يصبح من السهل علي من يرغب في تنصيبها أن يفعل ذلك، و يمكن الاستفادة مادياً عن طريق الخدمات السابقة و اللاحقة للتنصيب. 
(معني كلمة "توزيعة": أي نظام تشغيلٍ يتكون من نواة اللينُكْس + أدوات مشروع قِنُو + واجهة مرئية للمستخدم (النوافذ و الأزرار و ما يشبههن) + بعض الأدوات و البرمجيات الخاصة بالتوزيعة لتنصيبها و التحكم في إعداداتها. أي أنها تجميعةٌ من البرمجيات الحرة التي تُكون مع بعضها البعض نظام تشغيلٍ متكامل).
 
و بالفعل قام كلٌ من  Bob Young و Marc Ewing ببناء شركة رِدْهات redhat  في عام 1993م لتصبح من أوائل الشركات التي تستثمر في مجال تقديم توزيعاتٍ متكاملةٍ متناغمةٍ من البرمجيات الحرة و من أكبرها حجماً و قوة.
و في 15 نوفمبر من عام 1999 قامت رِدْهات بالاستحواذ علي شركة cygnus سالفة الذِكر، و أصبح Michael Tiemann يشغل منصب chief technical officer في شركة Red Hat، و في عام 2008  أصبح يشغل منصب "نائب الرئيس لشؤون المصادر المفتوحة the vice president of open source affairs".

كل تلك الخطوات الضخمة علي الطريق التجاري لتوليفة الـGNU/linux كانت رداً عملياً قاسياً علي انتقادات "بِلْ قِيتس bill gates" لمن يُهاجِم النموذج التجاري للبرمجيات الذي يمكن رؤيته في شركة مايكروسوفت علي سبيل المثال؛ ففي 31 يناير من عام 1976 وجَّه بِلْ خطاباً مفتوحاً لـ homebrew computer club (و هو تجمعٌ لمحبي الحواسيب في وادي السيليكون بالولايات المتحدة، و قد أُنشِيء في منتصف سبعينيات القرن الماضي)، و تحدث بِلْ في ذلك الخطاب عن أفضلية البرمجيات المغلقة علي الحرة، و  استنكر إمكانية وجود فريقٍ من المبرمجين يعمل لعدة سنواتٍ علي مشروعٍ برمجيٍ، ثم يقوم يتوثيقه بعناية، ثم يقوم بطرحه للاستخدام العام مجاناً.
و بذلك قدم النتيجة النهائية التي أراد الوصول لها، و هي أن البرمجيات الحرة "ضارةٌ بالمجتمع البرمجي"، و أن البرمجيات المغلقة هي الأمل في وجود برمجياتٍ متميزةٍ تلبي حاجة المستخدمين الذين يحتاجون إلي برمجياتٍ قويةٍ و كفؤة.

و كما قلتُ فقد كانت الخطوات التجارية هامةً جداً للتدليل العملي علي أن البرمجيات الحرة و المجال التجاري ليسا نقيضين لا يجتمعان، بل من الممكن الجمع بينهما بشكلٍ يكفل الحصول علي الفوائد العلمية و الاجتماعية المرجوة من وراء البرمجيات الحرة، و في نفس الوقت الحصول علي فوائدٍ اقتصاديةٍ تكفل لمجتمع البرمجيات الحرة التوسع و التمدد و الازدياد قوةً و طموحاً. و حينما ظهرت توزيعة ubuntu كان ذلك أمراً في غاية الأهمية، و حينما ظهرت توزيعة android (المُعدَّلة بشدةٍ لتعمل علي الأجهزة الذكية و أهمها الهواتف الذكية و الحواسيب اللوحية) كان ذلك أيضاً خطوةً فارقة، و لكننا سنتحدث عنهما (و عن غيرهما) في المرة القادمة بمشيئة الله تعالي :)

السبت، 2 مارس 2013

نشأة البرمجيات مفتوحة المصدر (2)

هناك معلومةٌ لا بُد مِن ذِكرها ما دمنا أردنا أن نتحدث عن علاقة الأستاذ الجامعي الأمريكي "أَنْدرُو تانِنْبُوم" بحركة البرمجيات الحرة، فقد طلب ستولمان أن يستخدم مُترجِم الـC الذي كتبه تانِنْبُوم (مع  Ceriel Jacobs) من قبل لنظام التشغيل الخفيف "مِنِكْس minix"، و لكن تانِنْبُوم أخبره أن المُترجِم ليس حراً (في عام 2003 أصبح ذلك المُترجِم حراً تحت ترخيص BSD). 
و هكذا لم يجد ستولمان مهرباً من بناء مُترجِمٍ خاصٍ بالـC من الصفر، صحيحٌ أنه قبل قراره هذا حاول كتابة نهايةٍ أماميةِ front end للغة الـC في المُترجِم الخاص بمعمل "Lawrence Livermore" إلا أنه فوجئ أن تشغيلها يتطلب ذاكرةً أكبر مما كان مُتاحاً في حواسيب ذلك الزمن، لذا فقد نحَّاها جانباً و بدأ بناء الـgcc من الصفر كما أسلفنا القول. و فيما بعد صار بالإمكان استخدام تلك الواجهة الأمامية المهجورة بعدما تطورت إمكانيات الحواسيب عمَّا كانت عليه قبلاً.

الآن تعالوا نقفز في الزمن من بداية الثمانينيات إلي بداية التسعينيات؛ ففي تلك السنوات دخل إلي المباراة لاعبٌ شديد الأهمية هو الطالب الفنلندي "لينُوس تُرْفالدز linus torvalds"، الذي كان حينها قد انتقل إلي العام الثاني في جامعة هلسنكي. كان لينوس طالباً عادياً جداً في كل شيء و هو من الأقلية السويدية التي تعيش في فنلندا، إلا أنه كان يتميز بميزةٍ شديدة الأهمية هي حب التعلم عن طريق التجربة باليد، فمثلاً حينما كان يريد تعلم صنع محرك رسوميات graphics engine قام بعمل لعبةٍ خاصةٍ به (رغم أنه سيءٌ في اللعب !). و حينما كان يستهويه تعلم جزئيةٍ معينةٍ في العتاد الخاص بحاسوبه: كان يكتب برنامجاً يجرب به تلك الخاصية و يتعامل معها باستخدامه.

و جانبٌ كبيرٌ من ذلك الاعتياد علي كتابة البرامج التي يحتاجها كان نتيجةً تلقائيةً لعدم وجود برامج تعمل علي ما يمكننا اعتباره أول حاسوبٍ شخصيٍ اشتراه؛ فقد كان من نوع Sinclair QL الذي لا تتوافر برامجه في فنلندا، لذا فقد كان علي
لِينُوس إما أن يغير العتاد الخاص به و يستخدم عتاداً تتوافر برمجياته في فنلندا، أو أن يقوم بكتابة البرامج التي يحتاجها بيده، و قد اختار الحل الثاني علي عكس المعتاد ليصبح أكثر اعتياداً علي عمل البرامج التي يحتاجها بنفسه.

لذلك فحينما أحس لِينُوس بأنه يحتاج نظام تشغيلٍ جديداً يشبه اليُنِكْس علي حاسوبه الشخصي، و حينما لم يستطع شراء نسخةٍ من اليُنِكْس، و حينما وجد أن نظام المِنِكْس minix لا يلبي كافة احتياجاته، و حينما قام (بالخطأ) بإزالة المِنِكْس من حاسوبه: حينها قرر إكمال العمل علي بناء نواة نظام تشغيلٍ يستنسخ اليُنِكْس من الصفر !
الأمر بالطبع أكثر تعقيداً من مجرد "حاجته لنظام تشغيل ثم تقريره أنه سيبنيه بنفسه"، فالحق أنه كان قد بدأ العمل علي أساسيات النواة kernel منذ فترةٍ سابقة، لكن يمكنك دوماً أن تقول هذا و لن تكون مخطئاً بنسبةٍ كبيرة.

في نفس التوقيت كانت مؤسسة الـfsf قد بَنَت كثيراً من البرمجيات التي تحتاجها، فقد أصبح لديهم مُترجِم الـgcc، و مُحرر الـgnu emacs الشهير، و مجموعةٌ أخري من البرمجيات، و بما أنها كانت ذات عددٍ كبيرٍ فقد أدي ذلك إلي أنهم لم يستطيعوا بناء النواة الخاصة بنظام تشغيل gnu في نفس الوقت، و هي النواة المُسمَّاة hurd.

و علي الرغم من ذلك اعتاد عددٌ كبيرٌ من الناس علي تحميل برمجياتهم تلك (و علي الأخص مُترجِم الـgcc) و استعمالها علي عددٍ من أنظمة التشغيل، و حينما احتاج عددٌ من هؤلاء المستخدمين لنظام تشغيلٍ حرٍ بالكامل: قاموا ببساطةٍ بتنصيب نواة اللينُكْس و فوقها أدوات مشروع قِنُو علي حواسيبهم، و هكذا صار لديهم نظام تشغيلٍ متكاملٍ قبل أن تعرف مؤسسة الـfsf شيئاً عن نواة اللينُكْس من الأساس.

كان من الممكن ألا يشتهر اللينُكْس و ينضم إلي تطويره كل من انضم إليه لو أن نظام الـBSD كان حراً بالمثل، ففي تلك الفترة كان نظام التشغيل المُسمَّي Berkeley Software Distribution  أو اختصاراً "BSD" مثل الجمل الأجرب؛ فقد كانت هناك منازعاتٌ قانوينةٌ عليه جعلت الجميع يفر من المشاركة في تطويره أو الاعتماد عليه بالكامل لأنه لا أحد يدري ماذا ستؤول إليه حكايته، و ماذا سيكون مصيره فيما بعد و هو الأمر الذي يخضع لقرار المحكمة أولاً، ثم لقرار من ستحكم له المحكمة بالأحقية في التحكم في مصير الـBSD.

و هكذا كانت الساحة مهيأةً مئةً في المئة للفنلندي الواثق، الواقع يقول أنه في البداية واجه لِينُوس مصاعباً كبيرة، فمثلاً دخل البروفيسور أَنْدرُو تانِنْبُوم للساحة مرةً أخري ليؤكد أنك لو نظرتَ في كوب الشاي الذي تشربه لرأيته هناك!، و قد كان دخوله هذه المرة عنيفاً كثيراً؛ فقد نشر مقالاً علمياً علي مجموعة الأخبار comp.os.minix تحت عنوان "لِينُكْس عفا عليه الزمن Linux is obsolete"، و الذي قام فيه (بمنتهي الروح الأبوية) باتهام تصميم اللينُكْس بكل التهم التي استطاع التوصل إليها؛ فقد قال أن:النواة من نوع  monolithic و بالتالي فهي من الطراز القديم، بينما يري أن التصميم الأفضل هو النُواة المُصغَّرة microkernel كما في نظام المِنِكْس،

  • ضعف المحمولية portability، و هو ما نتج عن استعمال خصائص خاصة بمُعالِج Intel 386 في أكواد نواة اللينُكْس، 
  • ليس هناك تحكمٌ قويٌ لشخصٍ واحدٍ في الكود المصدري،
  • هناك خصائصٌ موجودةٌ في اللينُكْس لا لازمة لها مطلقاً (من وجهة نظر تانِنْبُوم) مثل الـmultithreaded file systems.

 و أدي هذا إلي نشوب صراعٍ محتدمٍ شهيرٍ بين لِينُوس و تانِنْبُوم دافع فيه كلٌ منها عن وجهة نظره (و أنا أثق انها كانت حرباً ضروسا؛ لأن لِينُوس لا ينقصه لا الثقة في النفس و لا اللسان الطويل، كما أن تانِنْبُوم أطلق كل ما وجده في يده من رصاصٍ علميٍ علي اللينُكْس!)، لكن الواقع يقول أن اعتراضات تانِنْبُوم سالفة الذِكر إما ثبت عملياً أنها غير قوية أو أنها أكاديميةٌ متحذلقةٌ بعض الشيء، أو تم التغلب عليها بالتدريج بعد نضج نواة اللينُكْس، أو ثبت أنها كانت خاطئةً علي طول الخط. و الواقع أن مشروع اللينُكْس كان مُصادِماً لكثيرٍ من القواعد البرمجية حتي في علم هندسة البرمجيات و كيفية بناء المشاريع البرمجية الضخمة !
 ***
 بعد فترةٍ من انتشار فكرة البرمجيات الحرة و انتشار استخدام توليفة الـGNU/linux، و بعد ازدياد أعداد المعتمدين عليها من المستخدمين بما يبشر بإمكانية فتح أسواقٍ جديدةٍ للاستثمار فيها: بدأ بعض أنصار البرمجيات الحرة في التنبه إلي أن كلمة free في اللغة الإنقليزية تحمل معني "حر" و معني "مجاني"، و هو ما قد يؤدي إلي نفور المستثمرين في مجال البرمجيات من استثمار أموالهم فيما يخص البرمجيات الحرة. 
لهذا السبب فكروا في استخدام الاسم "البرمجيات مفتوحة المصدر open source software"  بدلاً من الاسم القديم "البرمجيات الحرة free software"، مع الإبقاء علي المقومات الأساسية كما هي، أي أن الأمر (كما كان يبدو) لا يعدو مجرد إعادة تسمية.

 لكن هذا الأمر لم يُعجِب ستولمان بطبيعة الحال؛ حيث رأي أن مشكلة الاسم يمكن حلها عن طريق كتابة جملة "free as in freedom" لكي تشرح أن كلمة free مأخوذةٌ من  "الحرية" و ليس "المجانية"، و رأي ستولمان أن حركة المصادر المفتوحة تركز علي الجانب المادي و تُغفِل الجانب الاجتماعي و الأخلاقي لحركة البرمجيات الحرة.

و بصراحةٍ شديدةٍ فإنني شخصياً أجد أن هناك بالفعل اختلافاً بين حركتَيْ البرمجيات الحرة و المصادر المفتوحة أكبر من مجرد الاهتمام بالجذب الاستثماري؛ فنشطاء المصادر المفتوحة يرون أنه بالإمكان أن يكون هناك نوعٌ من التعايش بين البرمجيات الحرة أو "مفتوحة المصدر" و بين البرمجيات المُغلََقة المصدر أو "الاحتكارية" أو "الاستئثارية" (سمِّها كما تشاء)، بينما تصب مباديء و كلمات أنصار البرمجيات الحرة في خانة أن النوع الاستئثاري من البرمجيات هو "نِتاجٌ شيطاني" يجب التخلص منه لصالح البشرية و لكي يسترد البشر آدميتهم (و قد رأينا هذا في حملاتهم ضد نظام تشغيل microsoft windows 7).

إلا أن لِينُوس (الذي أُعجِب بفكرة حركة المصادر المفتوحة) يري أنهم (أي أنصار حركة البرمجيات الحرة) يبالغون كثيراً في هذه النظرة، و قال معبراً عن ذلك في إحدي تدويناته علي مدونته الشخصية (التي هجرها منذ سنوات)*:

أنا مشهورٌ بأنني لستُ عاشقاًً للـfsf و ريتشارد ستولمان، علي الرغم من أن الواضح أنني أحب الـGPLv2 و أستخدمها كرخصةٍ لكل مشاريعي التي أهتم بشأنها.
السبب كان دوماً أنني لا أحب رجال "الفكرة الواحدة"، و لا أظن الأشخاص الذين يُحوِّلون العالم إلي "أبيض و أسود" لطفاء جداً أو شديدي الفائدة. الحقيقة أنه ليس هناك وجهان فقط لكل قضية؛ فتقريباً هناك دائماً تدرج، و غالباً فإن الإجابة الصحيحة لأي سؤالٍ عميقٍ هي "عَلَي حسب"، و ليس حتي أن تأمل في اتخاذ الطرف الآخر لقراراتٍ خاطئة.
لا تفهموني خطأً: أنا أحب أن أري أناساً شغوفين بما يفعلونه، و كثيرٌ من الناس لديهم شيءٌ ما يهتمون بأمره جداً. لكن فقط حينما يتحول هذا إلي منهجٍ إقصائيٍ فإنه غالباً ما يصبح قبيحاً. لا يكون الأمر "حباً لشيءٍ ما" بل يصبح "كرهاًً لشيءٍ ما".
كمثالٍ: فإن هذا واحداً من أسباب محاولتي لتلافي التحدث عن مايكروسوفت كثيراً؛ أنا شغوفٌ باللينُكْس جداً (كما هو واضح)، لكن بصراحةٍ شديدةٍ فإنني أجد أن التفكير في اللينُكْس علي أنه "ضد مايكروسوفت" سخيفاً و خطأً في التوجه؛ نعم ربما أُلقِي طُرفةً أو اثنتين بـ"لسان زالف"، لكن حقاً هل هناك أحدٌ يفكر بجديةٍ أنه من الممكن أن تنفق 17 عاماً من عمرك و تأخذ قراراتٍ صحيحةً بناءاً علي الكره و الخوف ؟!
كان هذا أيضاً (و لا يزال) سبب كرهي للـGPLv3، أظن أن العديد من التغييرات لم تكن نتيجةً لـ"تأييد البرمجيات الحرة"، لكن بشكلٍ أكبر كرد فعلٍ طائشٍ ضد أشياء مثل TIVO، و منهجية "أبيض-أسود" و "خير-شر".

 
يُتبَع
--------------------------------------
* http://torvalds-family.blogspot.com/2008/11/black-and-white.html




نُشِر هذا المقال علي موقع (صدي التقنية) علي الرابط:
http://tech-echo.com/2013/03/beginning-of-open-source-software-2/

السبت، 23 فبراير 2013

نشأة البرمجيات مفتوحة المصدر (1)

هذا هو أول مقالٍ لي في سلسلة مقالاتٍ تتحدث عن (نشأة البرمجيات مفتوحة المصدر)، و قد تم نشره في موقع (صدي التقنية) علي الرابط:
http://tech-echo.com/2013/02/beginning-of-open-source-software/


 ***
 
في الآونة الأخيرة ازدادت شهرة ما يُعرف بالبرمجيات الحرة free software و البرمجيات المفتوحة المصدر open source software في العالم العربي، تزايد الشهرة في هذه الأيام لا يعني أن هذين النوعين من البرمجيات لم ينشآ إلا في الفترة الحالية، و لا يعني كذلك أنهما لم يكونا معروفين للمهتمين بالتقنيات الحاسوبية منذ فترةٍ طويلة، بل يعني فقط أن انتشار الاهتمام بهما بين القاعدة العريضة من التقنيين العرب ازداد مؤخراً، و نري هذا واضحاً في ازدياد المتابعين للمواقع التي تقدم أخبار تلك التقنيات، و كذلك في اهتمام الذين لا يستخدمونهما من الأصل؛ بسبب رغبتهم في زيادة ثقافتهم الحاسوبية، أو حتي فتح آفاقٍ جديدةٍ في العمل.

السؤال هنا: ما هي المصادر المفتوحة، و ما هي البرمجيات الحرة، و هل هناك فارقٌ فعليٌ بينهما ؟

للإجابة عن هذا السؤال يجب علينا أن نفهم كثيراً من الأمور في نشأة عالم البرمجيات، و لذا سنعود بالزمن للوراء حتي بدايات تاريخ الحوسبة computing history نفسه، حينها كانت برمجيات الحاسوب عبارة عن برمجياتٍ صغيرةٍ وظيفتها الأساسية هي "خدمة الآلة باهظة الثمن"، أي أن الشيء الأكثر أهميةً كان هو جهاز الحاسوب مرتفع الثمن، أما البرمجيات فقد كانت شيئاً ثانوياً عند حساب الربح و الخسارة. لذلك لم يكن هناك من يفكر في "بيع" البرمجيات، إنما كان الكل يبيع "أجهزة حاسوبٍ بها برمجياتٌ سابقة التنصيب".
و نظراً لأن البرمجيات لم تكن ذات أهميةٍ كبري من الناحية المادية لذا كان يتم التعامل معها بمنتهي الحرية، فكان المبرمجون ينشرون أكواد برمجياتهم بكل أريحية، و يستطيع المبرمج أن يغير الأكواد التي علي آلته إذا ما توافرت له القدرة العملية علي ذلك و الرغبة فيه.

لكن مع مرور الوقت أصبح العتاد أكثر تقدماً و توفراً، و بالتالي أصبحت أسعاره أرخص مما كانت عليه سابقاً، و بعد التقدم في علوم تصنيع عتاد الحواسيب أصبحت الحواسيب الشخصية شيئاً عادياً، صحيحٌ أنها لم تكن متوافرةً لـ"كل" الناس، لكنها كانت متوافرةً علي كل حال. و بما أن الشركات أصبحت تتنافس فيما بينها علي جذب الزبائن لها فقد استرعي انتباهها شيئٌ هامٌ جداً سيفيدها في عملية تسويق منتجاتها بما لا يُقاس، هو الحاجة إلي برمجياتٍ أكثر قوةً مما لدي منافساتها، و بالتالي يجد الزبون نفسه أمام حواسيب جيدة الإمكانيات و في ذات الوقت بها برمجياتٌ تساعده علي استغلال إمكانيات تلك الأجهزة التي دفع ثمنها.

في هذه المرحلة بدأت البرمجيات تصبح أكثر تعقيداً عما كانت عليه من قبل، و بدأت شركات الحواسيب تنتبه إلي أن البرمجيات تصلح كسلاحٍ تسويقيٍ ممتازٍ إذا تم منع الآخرين من استخدامها بدورهم، و هو ما سيُطلَق عليه في عالم البرمجيات الحرة فيما بعد اسم "الاحتكار" و سأطلق عليه هنا اسم "الاستئثار". و كانت أهم الخطوات الاستئثارية التي قامت بها الشركات و أثَّرت علي مسيرة عالم المصادر الحرة تلك التي قامت بها شركة (AT&T) مع نظام تشغيل اليُنِكْس unix.

و لكن قبل أن نتحدث عن تلك الخطوة الفارقة تعالوا نتحدث عن شخصٍ يسمَّي ريتشارد ماثيو ستولمان richard matthew stallman أولاً؛ فهو من أكثر الشخصيات تأثيراً علي عالم البرمجيات الحرة ذي الصبغة القانونية و الفلسفية، كما أنه من أكثر الشخصيات إثارةً للجدل سواءٌ في عالم البرمجيات الحرة أو في عالم البرمجيات المُغلَقة المصدر (الاستئثارية-الاحتكارية) !

 

في بداية الأمر كان ستولمان باحثاً شاباً يعمل في معامل الذكاء الاصطناعي في معهد MIT للتقنية، كان الباحثون بطبيعة الحال يتداولون البرمجيات و أكوادها فيما بينهم بمنتهي السهولة و البساطة، و كان ريتشارد و الآخرون يشعرون بأنه من الطبعي جداً أن يقوموا بالتعديل علي الأكواد الخاصة بالبرامج التي يستخدمونها متي أحسوا بأنهم يحتاجون لذلك عملياً.

إلا أنه مع مرور الأيام بدأت تغييراتٌ غريبةٌ تحدث في طريقة عمل الباحثين، فقد فُرض علي بعضهم قانونياً ألا يقوموا بنشر الأكواد التي بين أيديهم لمن لم يُسمح لهم بالتعامل معها. و هكذا أصبح ستولمان و البقية يعانون من وجود أكوادٍ يحتاجونها بين أيدي زملائهم، و لكنهم في نفس الوقت لا يستطيون الوصول إليها بحالٍ من الأحوال. هذا جعل ستولمان يُحس أن الأمور تسير نحو منعطفٍ شديد السوء.

الأمر الجديد الإضافي علي طريقة عملهم هو فرض وضع كلمات سرٍ للمستخدمين المختلفين علي أجهزة المعمل التي يستخدمونها، فبما أنه لبعض العاملين في المعمل حقوق ليست للآخرين فقد أصبح من الضروري وجود تفرقةٍ بين حسابات هذا و ذاك، و من جديدٍ أحس ستولمان أن ما يجري يدفع الأمور للانهيار أكثر و أكثر.

إحدي الصدمات الكبريات اللاتي تعرض لهن ستولمان و جعلته يصاب بالذعر أتت حينما حاول أن يعدل من البرنامج الذي يتحكم في طابعةٍ عامة، الحكاية أنه كانت هناك طابعةٌ من طراز متقدمٍ (بالنسبة لتلك الفترة) تخدم عدداً كبيراً من الأشخاص، و في بعض الأحيان كانت تحدث مشاكل في عملها، بما يضيع الوقت و الجهد في الذهاب إليها للاطمئنان إلي أن كل الأوراق قد طُبعت بالفعل من عدمه. و لذلك قام ستولمان بتعديل برنامجها بحيث تتغلب علي تلك المشكلة. لكنه حينما أخبر مُصنِّعي الطابعة بذلك صُدم من استنكارهم لتعديله علي برامجهم !
بل و أظن أنهم هددوه قانونياً إن قام بنشر ذلك التعديل !!!

الصدمة التي حدثت لستولمان مع عددٍ كبيرٍ من التقنيين الآخرين كانت ما حدث مع نظام اليُنِكْس؛ و اليُنِكْس هو نظام تشغيلٍ متطورٍ كانت له قصة النشوء التالية:
فى منتصف الستينيات تعاونت (جنرال إليكتريك general electric) و (معامل بِلْ bell laboratories التي تغيَّر اسمها فيما بعد ليصبح AT&T) و (معهد
MIT للتقنية) لإنتاج نظام تشغيلٍ يُسمَّي MULTICS، و هو  اختصارٌ لاسم (multiplexed Information Computing System). و يتميز بالعديد من القدرات القوية مثل تعدد المهام multi-tasking و تعدد المستخدمين multi-users و إداره ملفاتٍ متعددة المستويات multi-level file management  و غيرهن من القدرات. لكن AT&T انسحبت من المشروع في نهاية الأمر.
إلا أنه في عام 1969 قام كِنْ ثومبسون Ken Thompson  مع دِنِس رِتْشى Dennis Ritchie  و عددٍ آخرٍ من المبرمجين الذين كانوا قد عملوا فى مشروع MULTICS باستئناف العمل فى AT&T لإنتاج نظام تشغيل مماثلٍ خاصٍ بهم، بحيث يعمل على أجهزةٍ من نوع minicomputer، وفي 1 يناير 1970 تم تشغيل أول إصدارات اليُنِكْس.

و في بداية الأمر كانت AT&T قد جعلت اليُنِكْس منتجاً بحثياً research product بإمكان الجميع أن يستخدموه فى أبحاثهم و يطوروا فيه على أن تظل الملكيه لـAT&T،  و منذ ساعتها انتشر يُنِكْس انتشار النار في الهشيم بين الجامعات و الشركات المختلفة، إلا أن تغير نظرة الشركات للبرمجيات جعل الأمور تتغير تماماً فيما بعد. و في عام 1983 و حينما وصلت نسخةٌ من إصدارة system3 إلي ستولمان لم يجد الكود المصدري الخاص بها معها، رغم أنه كما قلنا أن المعتاد كان العكس تماماً، و الأغرب أنه حينما حاول أن يحصل عليه فوجيء أنه لا يمكن ذلك إلا إذا وقَّع على اتفاقية عدم الكشف (Non-Disclosure Agreement) أو (NDA)  اختصاراً،  و هو الأمر الذى يجعل من حصوله على الكود عديم القيمة. كأنك تضع أحدهم في معركةٍ طاحنة مع مسدسٍ سريع الطلقات و لكن في نفس الوقت تشترط عليه أن يعيد لك المسدس و الطلقات بنفس عددها الأول !

المصيبة الكبري كانت أن نظام اليُنِكْس كما ذكرتُ من قبل رغم أن علامته التجارية كانت ساعتها ملكاً لشركة AT&T إلا أن الواقع أن الجامعات المختلفة و المبرمجين في الشركات و في المعاهد التقنية المتنوعة كانوا قد أسهموا بشكلٍ كبيرٍ في تطويره، و هكذا لم تكن الخطوة الأخيرة التي قامت بها AT&T إلا ضربةً تحت الحزام ! و في النهاية لا يمكنك الاعتراض بشكلٍ قانونيٍ لأن "العلامة التجارية كانت ملكاً لـAT&T فقط".

هنا و بعد كل لتلك الصدمات المتواليات قرر ستولمان أنه "ما حك جلدك مثل ظفرك ... فتولَّ أنت جميع أمرك".
أنا عن نفسي كنتُ سأقضي ربع ساعةٍ من الصراخ و ركل الأرض بقدمي و ربما أُطلِق بعض السباب كذلك، و من الممكن أن أكتب رسالةً بذيئةً لقيادات AT&T و أوقعها باسمٍ زائف، لكني في كل الأحوال بعد فعل ذلك كنتُ سأخرس كأفراس النهر تماماً.

لكن ستولمان اتخذ حينها قراراً غريباً و درامياً للغاية: فمادام لا يستطيع إجبار شركات الحوسبة و الدول علي تغيير تلك الأساليب المُجحِفة التي ينتهجونها، فليس بإمكانه إلا أن يفعل ما يستطيع فعله: أن يكتب برمجياتٍ بديلةً لتلك التي يكره نهجها، و بما يتفق مع أفكاره هو. و قرر أن تكون تلك البرمجيات حرةً يستطيع الكل أن يُطالعوا أكوادها المصدرية و يُعدِّلوا فيها بمنتهي الحرية حسبما يحتاجون، بالإضافة إلي وجود غطاءٍ قانونيٍ يحمي تلك البرمجيات الحرة من أن يتم الاستيلاء عليها و تحويلها إلي برمجياتٍ مُغلَقة المصدر فيما بعد، و يُجبِر من يستخدم برنامجاً حراً علي جعل تعديلاته التي أجراها عليه حرةً بالمثل.

و بما أن أول البرمجيات التي يحتاجها الحاسوب لكي يعمل هو نظام التشغيل operating system، فقد قرر ستولمان أنه سيكتب نظام تشغيلٍ حر يستطيع الناس استخدامه كبديلٍ لأنظمة التشغيل الاحتكارية.
اختار ستولمان أن يكون نظامه الجديد مشابهاً لنظام اليُنِكْس unix لأسبابٍ لا أعلمها جيداً، ربما كان السر في ذلك هو انه كتب برامجاً لليُنِكْس و يريد تشغيلها علي نظامه الجديد دون التغيير في أكوادها، أو ربما لأنه هو و المبرمجين الآخرين يعلمون الكثير بالفعل عن اليُنِكْس من خلال احتكاكهم السابق به، و بالتالي يصير من السهل تعاملهم مع المشروع الجديد كمطورين أو مستخدمين، أو ربما لأنه رأي أن تصميم اليُنِكْس تصميمٌ رائعٌ و سهل البناء، و ربما كان كل ما فات صحيحاً.

المهم أنه اختار أن يكون نظامه الجديد مشابهاً لليُنِكْس unix-like و أن يكون له الاسم "قِنُو GNU"  (يُُكتَب "جِنُو" في الترجمات المصرية)، و هو اختصارٌ لجملة "GNU's Not Unix" و يصف ستولمان هذا الاختصار بأنه إبداع hack في حد ذاته.
كانت طريقة ستولمان في بناء نظامه هي استبدال الأجزاء جزءاً تلو الآخر، فنظام اليُنِكْس يعمل كمجموعةٍ من التطبيقات تتخاطب فيما بينها و تتعاون لإنجاز العمل الكلي، و بالتالي من الممكن أن تستغن عن البرنامج غير الحر الأول و تكتب بديلاً له، ثم تستغن عن البرنامج غير الحر الثاني و تكتب بديلاً له، و هكذا إلي أن تجد أنك قد استبدلتَ كل مكونات النظام القديم بأخري جديدة حرة.
لكن المشكلة أن هذا كان معناه الحاجة في البداية إلي مكتباتٍ برمجيةٍ حرة، و تلك المكتبات البرمجية الحرة لا بد من بنائها من الصفر،
ثم بناء مترجمٍ compiler للغة الـc من الصفر !،
و مُحرِّر أكوادٍ code editor حر !
و مُنقِّحٍ debugger حر !

و علي هذا فقِسْ !!!

الخلاصة أن شخصاً آخر كان سـ"يضع ذيله في أسنانه" و يهرب من هذا الموضوع كما تهرب الغزلان من الأسود، إلا أن ستولمان كان (و لا يزال) متحجر الرأس جداً، لذا أصر علي الاستمرار و تجميع الآخرين لمساعدته في هذه الأعمال. لذا قام بالإعلان عن مشروع GNU عام 1984و نشر ما يُسمَّي "بيان قنو GNU manifesto" و الذي حث الآخرين فيه علي الانضمام إليه في مشروعه و مساعدته علي إنجاحه، و لرعاية المشروع و كل ما يتعلق به أسس ستولمان مؤسسة "البرمجيات الحرة Free Software Foundation" لترعي الجوانب القانونية و التنظيمية من العمل و تُصبح الشخصية الاعتبارية التي تتحدث بلسان حركة المصادر الحرة.

يُتبَع

الثلاثاء، 25 ديسمبر 2012

عن فائدة كتاب الدليل و أسلوبه المُنفِّر

علَّق أحد الفضلاء علي مقالي "(وَيْلَكُم) و (دليل كارهي اليُنِكْس)" المنشور علي موقع (وادي التقنية) بقوله:
كيف يكون مثل هذا الكتاب مفيدا لنا ؟
لا سيما مع قلة مستخدمي الأنظمة المفتوحة وندرتهم في عالمانا العربي ؟!

حتى وإن كان فيها بعض من المعلومات المفيدة، فلا أظن كتابا ساخرا على هذا النحو يكون مصدرا أساسيا من المعلومات، فالمراجع المتقدمة المفصلة كثيرة ومتوفرة، ومن أراد بابا من العلم فأفضل طريق له أن يـلِجه من أبوابه.
صدقني إن كنت تعمل في المجال أو تحمل شهادة في إحدى أنظمة لينوكس أو حتى شهادة لإحدى الشركات الاحتكارية الأخرى فلن ترضى أن يسخر أحد مما تعده جزءا من عملك وحياتك ولقمة عيشك.
والسخرية من أي علم ليس من سمات طالبيه.

فكتبتُ رداً:


الكتاب مفيدٌ لمن يرغب في معرفة نقاط قصور  نظام اليُنِكْس التي عُرِفَت عملياً، و لكنه بالَغ في السخرية أثناء عرض تلك النقاط، لو أردتَ كتاباً رصيناً فربما تجد الكثير، و لو أردتَ كتباً تمزج النقد العلمي بالسخرية فستجد هذا الكتاب و أمثاله، و الأمر يعود في النهاية لتفضيلك الشخصي.
و فائدة الكتاب موجودةٌ لمن يهتم بنظام اليُنِكْس من العرب سواءٌ أكانوا قِلةً أم كثرة، فالمعلومات التي فيه ثابتةٌ و لا تتغير بتغير القراء.

بالطبع سيشعر من يتعلق قلبياً أو مهنياً بنظام اليُنِكْس بالكثير أو القليل من الغيظ حينما يقرأ السخرية الصارخة التي في الكتاب، و لكن يبقي القول الفصل أن الكتاب لا يفتري علي اليُنِكْس كذباً، بل ينقل حوادثاً فعليةً حدثت من قبل و تحليل الـunix-haters لها. قد تختلفُ معهم في وجهة نظرهم و في طريقة نقدهم، و لكن يبقي الأصل أنهم يتحدثون من مُنطلَقٍ عملي.
و علينا أن نفصل بين لقمة العيش و الحب القلبي و الحقائق العلمية، أنا علي سبيل المثال أعشق تجميعة "GNU + linux + KDE" الخاصة بتوزيعة kubuntu مع إضافة "java + netbeans" إليها، لكني في نفس الوقت أُقِر أن هناك عيوباً و نقائصاً كثيرةً توجد في كل مكوِّنٍ من تلك المكوِِّنات، و لو قابلتُ أحدهم ينتقد الـkde التي أعتبرها أفضل الواجهات التي تعاملتُ معها علي الإطلاق بسخريةٍ فسأعترف بالحقائق التي يُورِدها، و ربما أضحك علي النكات التي سيستعملها لتوضيح مساويء الـkde، و من يدري: فربما أغضب، و لكن يظل الأمر المهم أنني سأعترف بالحقائق أياً كان قائلها ما دامت لا تنال مني شخصياً بشكلٍ يُفقدني تعقلي. و قد قمتُ أنا نفسي بانتقاد كثيرٍ من الأمور في لغة الـjava في كتاب الرسالة (و إن كان هذا بشكلٍ أقل حدة من كتاب الدليل)، رغم ميلي و استخدامي الدائم لها.

كما أنهم لا يسخرون من "علم" أنظمة التشغيل و إنما من مُنتَجٍ يُسمَّي (يُنِكْس) الذي لا يمثل كل أنظمة التشغيل التي تم بناؤها.

السبت، 22 ديسمبر 2012

عن تعصب unix haters و لهجة كتابهم الساخرة

عقَّب أحد الفضلاء علي مقالي "(وَيْلَكُم) و (دليل كارهي اليُنِكْس)" الذي نشرتُه علي موقع (وادي التقنية) بقوله (بتصرُّفٍ يسير):

مجموعة unix haters مُتحيزون و مُتعصبون جداً ضد يُنِكْس، و عندهم كرهٌ أعمى لكل ما يتعلق به مثل لِينُكْس. و لا يُمكِن أن يكونوا مبرراً لأي أحدٍ ليتعصب في كتابه أو مقالاته أو يقتدي بهم في أسلوب سخريتهم و تهجمهم، إلا إذا أعلن ذلك صراحةً مثلهم و كان هدفه السخرية و التواصي بتنفير الناس.

و كان ردي عليه:

أما أسلوب سخريتهم الزائد عن الحد فقد قلتُ عنه:
"و كذلك بسبب اللهجة الساخرة التي يستخدمها الكتاب لنقد سلبيات نظام اليُنِكْس و التي لا يجد معها المُنصِف إلا أن يضحك (رغم عدم قدرته علي إنكار أنها ربما تكون مُبالَغٌ فيها كثيراً).
كما أنني أحب الكتاب لأن لهجته شديدة السخرية هذه تجعل كتاب الرسالة الذي ألَّفتُه يبدو ملائكياً للغاية في نقده و أسلوبه، و يمكنني أن أضع كتاب (دليل كارهي اليُنِكْس) في عين من يقول أن كتاب الرسالة حاد الأسلوب بشكلٍ زائدٍ عن المطلوب، و كما ترون ففي هذا إفادةٌ كبيرةٌ لي  :)
" و هذا من أوضح ما يكون في إدانتي له  و إقراري بأن كتاب الرسالة لا يجاري كتاب الدليل في سخريته الفجة.
بل لقد قلتُ:
"و لو لاحظتم: فحتي لهجة العناوين في قمة السخرية و التهكم، و هو ما لم أجرؤ علي فعله في كتاب الرسالة، و قد قرأتُ في الكتاب كثيراً (لكني لم أُنْهِ الجزء الأكبر منه حتي الآن)، و كلما قرأتُ فيه ازدادت قناعتي بأن نظام اليُنِكْس أذاق هؤلاء الشاكين الويل ألواناً و أشكالاً ففاضت به ألسنتهم بذلك التهكم الصارخ."
و أقررتُ فيه ثانيةً بالسخرية الصارخة حتي في العناوين، ثم برَّأتُ كتاب الرسالة مِن فِعل المثل.

أما كونهم متحيزين و متعصبين فأمرٌ فيه نظر؛ فما قرأتُه في الكتاب يؤكد لي أنهم يتحدثون من منطلقاتٍ عمليةٍ واضحة، فكيف يكون في هذا تعصب ؟!
لو كنتَ تدري عنهم ما لا نعلمه فأرجو التوضيح.

الخميس، 20 ديسمبر 2012

(ويْلَكُم) و (دليل كارهي اليُنِكْس) !

واحدٌ من أجمل الكتب العلمية التي قرأتُها هو كتاب (unix haters handbook)، و ترجمة عنوانه الحرفية هي (كتاب يد كارهي اليُنِكْس) و لكني أُفضِّل ترجمته كـ(دليل كارهي اليُنِكْس).

هذا الكتاب عبارة عن شروحاتٍ لعيوبِ و نقائصِ نظام التشغيل المُسمَّي (يُنِكْس unix) اعتماداً علي ما حكاه مَن واجهوا مشاكل أثناء استخدامهم له، و كان الإعتماد التام في معرفة تلك المشاكل علي مجموعةٍ ضخمةٍ من الرسائل البريدية التي أُرسِلَتْ إلي المجموعة البريدية (unix haters) أو (كارهي يُنِكْس)، 

الحكاية و ما فيها أن هناك نظام تشغيلٍ غاية في الشهرة يُسمَّي بالـ(يُنِكْس unix) انتشر منذ فترة السبعينات من القرن العشرين بشكلٍ كبيرٍ جداً، بالطبع كان للنظام محبوه و كارهوه، أما محبوه فقد التحقوا بالدورات التي تُعلِّم كيفية التعامل معه و/أو البرمجة له، أما كارهوه فقد أنشأ بعضهم المجموعة البريدية سالفة الذِكر لشرح المشاكل التي قابلوها في تعاملهم معه و جعلتهم يكرهونه كالطاعون.
و بعد سنواتٍ من السباب العلمي الأنيق و غير الأنيق أصبح بالإمكان جمع أهم رسائل تلك المجموعة البريدية في كتابٍ واحدٍ بحيث تتسق مع بعضها البعض و تُكوِّن كتاباً شاملاً جامعاً، و قد فعلها (Simson Garfinkel) و (Daniel Weise) و (Steven Strassmann) مع آخرين و أصبح بين أيدينا كتاب (دليل كارهي اليُنِكْس).

منذ أن قرأتُ الكتاب و أنا أحبه جداً؛ ليس فقط لقيمته العلمية الكبيرة و الخبرة التي يسكبها في قلب من يقرؤه، و إنما كذلك بسبب التحدي الذي ينهمر علي رأس محبي اليُنِكْس انهماراً مؤيَّداً بأدلةٍ علميةٍ عمليةٍ ساطعة، و كذلك بسبب اللهجة الساخرة التي يستخدمها الكتاب لنقد سلبيات نظام اليُنِكْس و التي لا يجد معها المُنصِف إلا أن يضحك (رغم عدم قدرته علي إنكار أنها ربما تكون مُبالَغٌ فيها كثيراً).
كما أنني أحب الكتاب لأن لهجته شديدة السخرية هذه تجعل كتاب الرسالة الذي ألَّفتُه يبدو ملائكياً للغاية في نقده و أسلوبه، و يمكنني أن أضع كتاب (دليل كارهي اليُنِكْس) في عين من يقول أن كتاب الرسالة حاد الأسلوب بشكلٍ زائدٍ عن المطلوب، و كما ترون ففي هذا إفادةٌ كبيرةٌ لي  :)

يقع كتاب (دليل كارهي اليُنِكْس) في  أربعة أجزاء يتكون كلٌ منها من عددٍ من الفصول، و تلخيص الفهرست كما يلي:


* Foreword
    By Donald A. Norman
* Preface
    Things Are Going to Get a Lot Worse Before Things Get Worse
* Who We Are
* The UNIX-HATERS History
* Contributors and Acknowledgments
* Typographical Conventions
* The UNIX-HATERS Disclaimer
* Anti-Foreword
    By Dennis Ritchie
* Part 1: User Friendly ?
    - 1: Unix
    The World’s First Computer Virus

    - 2: Welcome, New User!
    Like Russian Roulette with Six Bullets Loaded

    - 3: Documentation?
    What Documentation?

    - 4: Mail
    Don’t Talk to Me, I’m Not a Typewriter!

    - 5: Snoozenet
    I Post, Therefore I Am

    - 6: Terminal Insanity
    Curses! Foiled Again!

    - 7: The X-Windows Disaster
    How to Make a 50-MIPS Workstation Run Like a 4.77MHz IBM PC
   
* Part 2: Programmer’s System?
    - 8: csh, pipes, and find
    Power Tools for Power Fools

    - 9: Programming
    Hold Still, This Won’t Hurt a Bit
   
    - 10: C++
    The COBOL of the 90s

* Part 3: Sysadmin’s Nightmare
    - 11: System Administration
    Unix’s Hidden Cost
   
    - 12: Security
    Oh, I’m Sorry, Sir, Go Ahead, I Didn’t Realize You Were Root
   
    - 13: The File System
    Sure It Corrupts Your Files, But Look How Fast It Is!
   
    - 14: NFS
    Nightmare File System

* Part 4: Et Cetera
    -A: Epilogue
    Enlightenment Through Unix
   
    - B: Creators Admit C, Unix Were Hoax
    FOR IMMEDIATE RELEASE
   
    - C: The Rise of Worse Is Better
    By Richard P. Gabriel
   
    - D: Bibliography
    Just When You Thought You Were Out of the Woods
   
    - Index


و لو لاحظتم: فحتي لهجة العناوين في قمة السخرية و التهكم، و هو ما لم أجرؤ علي فعله في كتاب الرسالة، و قد قرأتُ في الكتاب كثيراً (لكني لم أُنْهِ الجزء الأكبر منه حتي الآن)، و كلما قرأتُ فيه ازدادت قناعتي بأن نظام اليُنِكْس أذاق هؤلاء الشاكين الويل ألواناً و أشكالاً ففاضت به ألسنتهم بذلك التهكم الصارخ.
عامَّةً لو أردتم فائدةً علميةً فستجدونها في ذلك الكتاب، و لو أردتم سخريةً علميةً صارخةً فستجدونها فيه أيضاً.
و كنتُ أفكر في ترجمة الجزء الخاص بنقد لغة الـ++C (أو إن شئتم الدقة: نَقْضِها !) لكني لا أجد الوقت الكافي لهذا، و ربما أفعله متي وجدتُ فراغاً زمنياً و ذهنياً يكفيان لإتمام هذا الأمر كما أحب بإذن الله عز و جل. 

و قد أوحي هذا الكتاب لي بفكرةٍ أجدها جميلةً و تستحق العمل عليها عند من يجد وقتاً كافياً لها، الفكرة هي: جمع كل المشاكل التي تقابلنا أثناء العمل علي مختلف أنظمة التشغيل و تنظيمها و وضعها في كتابٍ خاصٍ بها، و أقترح تسمية الكتاب (ويْلَكم) و هو تحريفٌ لنطق كلمة (وِيلْكَم welcome) التي تكون عادةً الشاشةَ الافتتاحية لأنظمة التشغيل المختلفة (أو علي الأقل لنظام الـwindows الذي أظن أنه سيكون له نصيب الأسد من الكتاب المُقترَح)، و هو التحريف ذو المعني الواضح :)
أُكرِّر أن ذلك الكتاب لن يكون خاصاً بنظام تشغيلٍ واحد، بل سيكون مشتملاً علي كل المشاكل التي نواجهها علي مختلف أنظمة التشغيل، و هكذا يحكي مستخدموا اليُنِكْس و مستخدموا القنو/لينُكْس GNU/linux و مستخدموا الـwindows و غيرهن من الأنظمة عمَّا أَقََضَّ مضاجعهم في تلك الأنظمة. و يتم ترتيب الشكاوي علي أبوابٍ يختص كل واحدٍ منها بجانبٍ مُعيَّنٍ من تلك المشاكل كما في (دليل كارهي اليُنِكْس).

أجدها فكرةً حلوة: و لكن هل من مُتفرِّغٍ لها ؟